قبل أن يرتبط اسمها بفلسطين، كانت سفارة فلسطين في طهران واحدة من الرموز الخفية التي تعكس العلاقة التي نشأت في الظل بين إيران في عهد الشاه والنظام الصهيوني. هذه العلاقة، التي استمرت ثلاثين عاماً، لم تُعلن رسمياً أبداً، بل كانت تعمل كالسفارة دون أن تحمل هذا الاسم.

لم تكن إيران مجرد صديق عادي لإسرائيل الناشئة؛ فقد واجهت إسرائيل منذ بداياتها أزمة شرعية حادة، حيث لم تعترف بها أي دولة عربية أو إسلامية. في ظل هذه الظروف، كانت إيران فرصة ذهبية: دولة غير عربية، قوية، غنية بالموارد النفطية، وموقعها الجغرافي الاستراتيجي، والأهم من ذلك، كونها حليفاً للولايات المتحدة.على الرغم من عدم جغرافية إيران كجار لفلسطين المحتلة، إلا أنها كانت تمثل فرصة كبيرة للصهاينة لكسر حاجز عدم الشرعية. هذا الموضوع لا يزال يعتبر أحد أبرز القضايا في السياسة الخارجية الإسرائيلية، حيث يسعون لحل هذه التحديات عبر اتفاقيات متعددة.

لم يكن الهدف من العلاقة مع إيران محصوراً في كسر حاجز عدم الشرعية فحسب، بل نظر الإسرائيليون إلى إيران كفرصة تجارية وأمنية ضخمة. كانوا بحاجة إلى النفط الإيراني، وسوقها، وأيضاً إلى موقعها الجغرافي الذي جعل منها فرصة آمنة للمعلومات والأمن.عندما أعلنت إسرائيل عن وجودها في 24 مايو 1948، كان قد مضى سبع سنوات على تولي محمد رضا شاه الحكم. في تلك الفترة، كان شاهاً شاباً، غير متجرب، ضعيف الإرادة، ورغم رغبته في تعزيز العلاقات مع إسرائيل، إلا أن تحديات كبيرة منعته من ذلك. لم يرغب في مواجهة العالم الإسلامي والدول العربية، كما كان يخشى من ردود الفعل المعادية لإسرائيل داخل بلاده.

ومع ذلك، بدأ النظام الشاهنشاهي علاقاته غير الرسمية مع إسرائيل، وهي علاقات تُعرف في الأدبيات السياسية بـ “دوفاكتو”، أي أنها قائمة فعلياً ولكن لم تعلن رسمياً.في البداية، كانت تمثيلية إسرائيل تقع في مكان غير رسمي تماماً، في مبنى بلا اسم في شارع حافظ. حتى عندما انتقلت لاحقاً إلى شارع كاخ، كانت الأمور تتم بحذر شديد، حيث لم يتم رفع أي علم أو وضع لافتة، وظل اسم “سفارة” غائباً عن التداول. هذا كان دليلاً واضحاً على المناخ السائد في المجتمع الإيراني، الذي كان النظام يخشى منه.

لم يكن لدى المجتمع الإيراني نظرة إيجابية تجاه إسرائيل، حتى قبل عقود من انتصار الثورة الإسلامية. كانت قضية فلسطين مهمة جداً للشعب الإيراني، وإسرائيل كانت تمثل في أذهانهم رمزاً للاحتلال والعدوان. في الملاعب الرياضية وأي مكان آخر يذكر فيه اسم إسرائيل، كانت تندلع مشاعر معادية لها.علاقة الشاه بإسرائيل، التي كانت قائمة على جميع الأصعدة الاقتصادية والأمنية والسياسية وحتى العسكرية، انهارت بسرعة بعد انتصار الثورة الإسلامية. في الأشهر التي سبقت فبراير 1979، أدرك ممثلو إسرائيل بسرعة الأحداث في إيران، وفهموا أن تصاعد موجة الثورة سيكون أكثر خطراً عليهم، لذا بدأوا في إجلاء رعاياهم من إيران قبل الآخرين، بما في ذلك الأمريكيين.

بعد انتصار الثورة، تم تسليم مبنى سفارة إسرائيل في طهران إلى منظمة التحرير الفلسطينية، ولم تكن هذه مجرد عملية نقل بسيطة، بل كانت إعلاناً لموقف تاريخي، ونهاية لعلاقة بدأت في صمت لكن انتهت بسرعة بعد الثورة الإسلامية، حيث أوضح هذا الوضع للصهاينة أنه لم يعد هناك مكان لهم في إيران.