Report
القلق في الأوساط الإسرائيلية من استمرار فكرة المقاومة بعد حرب غزة
في خضم الضجة الإعلامية والسياسية التي تثار في “إسرائيل” حول نتائج الحرب ضد غزة، يظهر صوت من داخل هيكل اتخاذ القرار في هذا النظام يتعارض مع لغة الاحتفال والانتصار. المقال المنشور في صحيفة يديعوت أحرونوت بقلم “زاحي هنگبی”، المستشار السابق للأمن الداخلي في النظام الصهيوني، يحمل في طياته تحذيرات وقلقاً أكثر مما يحمل من شعور بالفخر. هذا القلق يتعلق بشيء لم يُهزم، بفكرة لم تختفِ، وبخصم لم يرفع راية الاستسلام رغم الدمار الواسع.
يطرح هنگبی في مقاله تساؤلاً أساسياً: ماذا لو كان الطرف الآخر لديه رؤية مختلفة تماماً عن هذه المعركة؟ ماذا لو اعتبر مجرد الصمود إنجازاً؟ وماذا لو خرج من تحت الأنقاض بوعي أعمق لجدوى المقاومة؟ هذه التساؤلات، وفقاً له، ليست موضوعاً دعائياً، بل ترتبط مباشرة بأمن “إسرائيل”.
يستعرض هنگبی تجربة سابقة ويُحذر من التفاؤل المفرط، مُشيراً إلى أحداث ما بعد عملية “حارس الأسوار” في عام 2021، عندما اعتقدت الأجهزة الأمنية الإسرائيلية أنها حققت ردعاً وأن حركة حماس قد استوعبت الرسالة. لكن التطورات اللاحقة، كما يعترف، أظهرت أن هذا التقييم كان ناقصاً، وأن فهم قادة المقاومة، خاصة الشهيد يحيى سنوار، كان مختلفاً جوهرياً.
العنصر المحوري في هذا التحليل هو أن “إسرائيل”، رغم تحقيقها نجاحات عسكرية ملحوظة، تواجه في الوقت نفسه تحديات في مجالات الرأي العام والسياسة والبيئة المحيطة. من وجهة نظر هنگبی، فإن تباطؤ عملية تطبيع العلاقات الإقليمية، وعودة موضوع إقامة دولة إلى الساحات الدولية، وتوسع نطاق الصراعات، وزيادة الضغوط القانونية والسياسية، هي حقائق لا يمكن تجاهلها.
تشير هذه التقييمات، بشكل غير مقصود، إلى أن المعركة لم تحدث فقط في الميدان، بل جرت أيضاً في الساحات السياسية والدبلوماسية.
القلق من “قدرة إعادة البناء” هو جزء مهم وربما مقلق من هذه الملاحظات. يعتقد الكاتب أنه حتى لو تضررت البنية التحتية، فإن إمكانية إعادة التشكيل وظهور تهديد جديد لا تزال قائمة. هذا الرأي يعكس خوفاً يتجاوز القدرة العسكرية البحتة؛ إنه خوف من بقاء الإرادة.
في إطار العقيدة الأمنية للنظام الصهيوني، يتحقق الردع عندما تُكسر إرادة الطرف الآخر في مواصلة القتال. لكن ما يتضح من سطور هذا المقال هو الشك في تحقيق هذا الهدف. بمعنى آخر، قد تكون الهياكل قد تضررت، لكن الرغبة والدافع لم يختفيا.
يُشير هنگبی في سياق حديثه إلى احتمال أن تكون المقاومة قد عرّفت المواجهة ليس كمعركة قصيرة الأمد، بل كصراع طويل الأمد، يتم قياس نتائجه على مدى سنوات، وليس على مدى أسابيع. في هذا السياق، يمكن أن تصبح “البقاء” رمزاً للنجاح وتتحول إلى رواية ملهمة للمستقبل.
لذا، يؤكد على ضرورة اليقظة المستمرة، والشك في التقييمات المتسرعة، والابتعاد عن الثقة في الإنجازات التكتيكية، وهو تأكيد يُظهر أن المرحلة التي تلي الحرب قد تكون أكثر تعقيداً من الحرب نفسها.
في خلاصة هذا الرأي، يمكن القول إن السؤال في أعماق صنع القرار في النظام المحتل ليس فقط “ماذا دمرنا؟”، بل “ماذا تبقى؟” والأهم من ذلك، “ماذا يمكن أن يظهر من بين هذه الدمار؟”. عندما تصل النقاشات إلى هذه النقطة، فإن ذلك يعني أن الصمود والمقاومة، رغم التكاليف البشرية والمادية الباهظة، قد فرضا نفسيهما كعنصر أساسي في معادلة المواجهة. في صراع الإرادات، قد يكون معيار النجاح ليس حجم التدمير، بل القدرة على الوقوف والثبات.
You need to log in to perform this action.