وفقًا لتقارير مشرق، تُعتبر التطورات الأخيرة في الضفة الغربية من أهم التغيرات السياسية والقانونية في هذه المنطقة منذ توقيع اتفاق أوسلو. القرارات التي اتخذتها إسرائيل، بدءًا من فتح مسارات تملك الأراضي للسكان في المناطق المحتلة وصولاً إلى نقل الصلاحيات البلدية في الخليل وبدء عملية تسجيل الأراضي في المناطق المعروفة بـ”ج”، ليست مجرد إجراءات إدارية، بل تمثل حلقات جديدة في عملية طويلة تهدف إلى تثبيت السيطرة الفعلية لإسرائيل على معظم الضفة الغربية.
تحدث هذه التحولات في وقت يركز فيه الرأي العام العالمي على قطاع غزة بعد عملية “عاصفة الأقصى” في السابع من أكتوبر 2023، مما قلل من الاهتمام الإعلامي بالضفة الغربية. هذا الفراغ في الاهتمام الدولي أتاح لإسرائيل تعزيز خطوات هيكلية قد تترك آثارًا أعمق وأكثر ديمومة من التغيرات العسكرية القصيرة الأمد.أحد أبرز التغيرات هو انتقال جزء كبير من الصلاحيات المتعلقة بإدارة الشؤون غير العسكرية في الضفة الغربية من الهيكل العسكري إلى الهيئات السياسية المؤيدة للاستيطان. في إطار اتفاق تم في عام 1401، تم نقل مسؤوليات واسعة في مجالات التخطيط العمراني، إصدار التراخيص، والإشراف على البناء من الإدارة المدنية التابعة للجيش إلى هيكل سياسي. يُعتبر هذا التغيير خطوة نحو الانتقال من حالة “الاحتلال المؤقت” إلى نوع من الإدارة الدائمة.
منذ عام 1967، كانت الضفة الغربية تحت السيطرة العسكرية الكاملة، ولكن مع التحويل التدريجي للصلاحيات إلى الهيئات غير العسكرية الإسرائيلية، أصبح الفارق بين الاحتلال العسكري وممارسة السيادة المدنية أقل وضوحًا. يُظهر هذا التغيير تحولًا في طبيعة وجود إسرائيل في هذه الأراضي.إن قرار المجلس الوزاري الإسرائيلي المصغر ببدء عملية تسجيل وتسوية الأراضي في منطقة “ج” يُعتبر نقطة تحول في هذا المسار. كانت هذه العملية متوقفة منذ عام 1967. والآن، تم الإعلان عن أن جزءًا من أراضي هذه المنطقة سيتم تسجيله كـ”أملاك إسرائيل” خلال السنوات القادمة. المعنى العملي لهذا الإجراء هو أن الأراضي التي لا يستطيع المالكون الفلسطينيون تقديم وثائق رسمية ومحدثة بشأنها قد تُسجل كأملاك إسرائيل.
تشمل منطقة “ج” حوالي 60% من مساحة الضفة الغربية، وكان من المفترض أن يتم تحديد وضعها في المفاوضات النهائية وفقًا لاتفاق أوسلو. ولكن بعد مرور ثلاثة عقود، لم تُحقق المفاوضات النهائية أي نتائج، بل تُنفذ الآن إجراءات قد تحول هذه الحالة المؤقتة إلى واقع دائم.من منظور القانون الدولي، تُعتبر الضفة الغربية أراضي محتلة، ولا يحق للقوة المحتلة إجراء تغييرات جذرية في نظام ملكية الأراضي. ومع ذلك، تستند إسرائيل إلى تفسير خاص بها للقوانين العثمانية وقوانين الانتداب البريطاني، حيث أعلنت على مدى عقود عن أجزاء واسعة من منطقة “ج” كأراضي حكومية أو مناطق عسكرية. إن التسجيل الرسمي للأراضي يُحول هذه الحالة من مستوى السيطرة الفعلية إلى مستوى تثبيت قانوني، وهو إجراء سيكون من الصعب التراجع عنه.
بالتزامن مع بدء عملية تسجيل الأراضي، تم أيضًا إلغاء القيود المتعلقة ببيع الأراضي للإسرائيليين. القوانين التي كانت تحظر بيع الأراضي لغير العرب وتحافظ على سرية معلومات الملاك قد تم إلغاؤها، مما يسهل الوصول إلى أسماء وبيانات الملاك ويسمح بشراء الأراضي بشكل مباشر أو عبر وسطاء.في ظل الضغوط الاقتصادية التي يواجهها الفلسطينيون، والقيود المفروضة على التنقل، والصعوبات الكبيرة في الحصول على تراخيص البناء، قد يؤدي فتح سوق الأراضي إلى انتقال تدريجي للملكية. قد يتم هذا الانتقال ليس من خلال مصادرة واضحة، بل عبر آليات قانونية ومالية، وهو عملية تبدو قانونية ولكنها تؤدي في الواقع إلى تغيير الهيكل السكاني والملكي للمنطقة.
تُعتبر التحولات في مدينة الخليل مثالًا واضحًا على هذه التغيرات. فقد تم تقسيم المدينة منذ عام 1997 بناءً على بروتوكول خاص إلى قسمين. الآن، فإن نقل الصلاحيات البلدية في منطقة الحرم الإبراهيمي إلى الإدارة المدنية التابعة لإسرائيل يُضعف فعليًا دور البلدية الفلسطينية في بعض أجزاء المدينة.من المقرر إنشاء هيئة مدنية مستقلة لإدارة شؤون المستوطنين، وهي هيئة ستدير الخدمات والتخطيط بدون الاعتماد على الآليات الفلسطينية. هذه الهيكلية تُنشئ نظامًا مزدوجًا: إطار قانوني وإداري للمستوطنين بدعم كامل، وإطارًا محدودًا للفلسطينيين. لقد أظهرت التجارب السابقة أن القيود المفروضة على إصدار تراخيص البناء للفلسطينيين وهدم المنازل التي تفتقر إلى التراخيص، بالتزامن مع توسع المستوطنات، أدت إلى تغيير تدريجي في التركيبة البشرية للمنطقة.ما يحدث في الخليل قد يكون نموذجًا لمناطق أخرى؛ نموذج يتضمن السيطرة الحضرية، والخدمات العامة، والتخطيط المكاني التي تُسحب تدريجيًا من الهيئات الفلسطينية. تُعتبر السلطة الفلسطينية، التي تأسست بموجب اتفاق أوسلو، مقدمة لتشكيل دولة مستقلة، ولكن مع انتقال الصلاحيات الأساسية في مجالات الأرض والتخطيط العمراني، تتقلص وظائفها الاستراتيجية أكثر فأكثر.في سيناريو يبقى فيه التحكم بالأرض والموارد بيد إسرائيل، وتكون السلطة الفلسطينية مسؤولة فقط عن إدارة الشؤون السكانية، فإن مفهوم السيادة يتلاشى فعليًا. في مثل هذا الإطار، قد يمتلك الفلسطينيون هيئات إدارية ووثائق هوية منفصلة، لكنهم لن يمتلكوا السيطرة الحقيقية على الأرض. هذه الحالة تعيد تعريف دور السلطة الفلسطينية كهيئة مسؤولة عن الخدمات وإدارة السكان، دون السيطرة على الأراضي والحدود والموارد.على المستوى الدولي، لا يزال يتم الحديث عن ضرورة إقامة دولة فلسطين والعودة إلى المفاوضات. بعض الدول اعترفت بدولة فلسطين العام الماضي، ولكن هذه الإجراءات لم توقف المسار الميداني. الفجوة بين الخطاب الدبلوماسي والحقائق المتشكلة على الأرض تتسع يومًا بعد يوم. إذا تم تثبيت منطقة “ج” رسميًا في إطار الملكية الإسرائيلية، فإن الأراضي المتبقية للدولة المستقبلية ستقتصر على مجموعة من المناطق المنفصلة.في مثل هذه الحالة، ستضعف إمكانية تشكيل دولة ذات اتصال إقليمي مستمر وسيادة حقيقية. إن التحولات في الضفة الغربية ليست مجرد قضية داخلية، بل لها تداعيات إقليمية أيضًا. ترتبط العديد من خطط تطبيع العلاقات بين إسرائيل والدول العربية بتقدم مسار تشكيل الدولة الفلسطينية. إذا استمر تثبيت الملكية وتوسيع المستوطنات، ستزداد الضغوط من الرأي العام في الدول المجاورة، وسيصبح المجال السياسي للتعاون العلني أكثر تقييدًا.في النهاية، ما يحدث اليوم في الضفة الغربية يتجاوز سلسلة من القرارات الإدارية. هذا المسار يمكن أن يغير معادلة الأرض والسكان بطريقة تجعل العودة إلى إطار أوسلو أو تحقيق دولة فلسطينية مستقلة أكثر صعوبة. إذا استمر هذا المسار بلا عوائق، ستتحول الضفة الغربية تدريجيًا من أرض متنازع عليها إلى فضاء يتمتع بسيادة إسرائيلية مستقرة، مما يدخل قضية فلسطين في مرحلة أكثر تعقيدًا وتكلفة.ومع ذلك، فإن مصير هذا المسار ليس حتميًا. يمكن أن تؤثر التحولات السياسية في المنطقة، والتماسك الداخلي للفلسطينيين، ودرجة النشاط الدبلوماسي للاعبين الدوليين على المستقبل. ولكن ما هو واضح هو التغيير التدريجي في قواعد اللعبة؛ تغيير قانوني وإداري يُشكل واقعًا جديدًا على الأرض في ظل صمت نسبي من المجتمع الدولي.