خدمة العالم مشرق – اتخذت حكومة الاحتلال الإسرائيلي مؤخرًا قرارات لزيادة السيطرة على الأراضي الفلسطينية وتغيير طبيعتها القانونية بهدف توسيع المستوطنات وتعزيز الهيمنة على الضفة الغربية، في محاولة لتهويد كامل المنطقة وضمها إلى الأراضي المحتلة الأخرى. يعتبر المحللون أن هذه القرارات تمثل زلزالًا بتبعات خطيرة، ويشددون على ضرورة مواجهتها بجدية.
تسمح هذه القرارات لحكومة إسرائيل بتسجيل مساحات شاسعة كـ “أراضي حكومية”، مما يتيح لها السيطرة عليها. تسجيل هذه الأراضي كـ “ممتلكات حكومية” يوفر الأساس القانوني اللازم لتوسيع المستوطنات الإسرائيلية وبناء مشاريع جديدة في هذه المناطق.في بيان لها، أكدت حماس أن قرار حكومة الاحتلال بمصادرة أراضي الضفة الغربية وتهويدها عبر تسجيلها كـ “أراضي حكومية” هو قرار باطل صادر عن قوة احتلال فاقدة للشرعية. وأشارت إلى أن هذا الإجراء يعد محاولة لفرض واقع المستوطنات والتهويد بالقوة، وهو انتهاك صارخ للقانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة ذات الصلة.
مع اقتراب شهر رمضان، أصبحت الضفة الغربية مرة أخرى محور الاهتمام الأمني في فلسطين المحتلة. على عكس السنوات السابقة التي كانت فيها الأنظار مركزة على غزة، يعترف المحللون العسكريون الإسرائيليون بأن “مركز الثقل” في النزاع قد ينتقل إلى الضفة الغربية. ومع ذلك، تشير التحليلات إلى أن إسرائيل تدخل هذا الشهر من موقع ضعف، حيث يظهر الفلسطينيون في الضفة الغربية مزيدًا من الوحدة والاستعداد مقارنةً بالأشهر السابقة.تصريحات أحد المسؤولين الأمنيين الإسرائيليين، التي تشير إلى أننا ندخل “منحنى حاد من الإمكانية الانفجارية”، ليست مجرد تحذير تكتيكي، بل تعكس واقعًا هيكليًا: لقد فقدت الأجهزة الاستخباراتية والعسكرية الإسرائيلية نماذجها التحليلية للتنبؤ بسلوك الفلسطينيين. تعود هذه العجز في التنبؤ إلى عملية “عاصفة الأقصى” في أكتوبر 2023، والتي امتدت آثارها الآن إلى الضفة الغربية.الخطوات مثل إرسال كتائب إضافية إلى الضفة الغربية أو استخدام معدات ثقيلة في المخيمات، تعكس أكثر من كونها علامة على القوة، بل تدل على “رد فعل” محض. بمعنى آخر، لم يعد الجيش الإسرائيلي هو من يصمم اللعبة، بل يتفاعل فقط مع التحركات الميدانية. هذه الانسحاب التكتيكي يعد أكبر إنجاز لقوات المقاومة في الضفة الغربية.
على مدار العامين الماضيين، حدث تحول كبير في الضفة الغربية: تم نقل مركز الثقل للمقاومة من الجماعات المنظمة التقليدية إلى “كتائب شعبية” ومجموعات محلية في المدن والمخيمات. هذا التغيير في الطابع جعل الأمور أكثر صعوبة بالنسبة للاحتلال. في مدن مثل جنين ونابلس وطولكرم والمخيمات المحيطة بالقدس، تمكن الشباب الفلسطيني من كسر هيبة الجيش الإسرائيلي.في الشهر الذي يسبق رمضان، تشير التقارير الميدانية إلى زيادة كمية ونوعية قدرات المقاومة في هذه المناطق. هذه الزيادة أثارت ردود فعل من مسؤولين في حكومة الاحتلال، مما دفعهم إلى وضع خطط عملياتية جديدة لـ “كبح” هذه القوات. ومع ذلك، أثبتت التجربة أن أي إجراءات عسكرية واسعة النطاق في الضفة الغربية لم تؤد إلى كبح المقاومة، بل زادت من شعبيتها وقدرتها اللوجستية.في هذا السياق، نشر مركز أبحاث معطي تقريرًا عن عمليات المقاومة في الأسبوع الماضي، حيث سجلت 78 عملية مقاومة بين السادس والثاني عشر من فبراير 2026، بمتوسط أكثر من 11 عملية يوميًا. تشمل هذه العمليات 65 مواجهة مع الجنود الإسرائيليين و13 مواجهة ضد اعتداءات المستوطنين على مناطق مختلفة في الضفة الغربية.واحدة من المتغيرات المهمة في تحليل الوضع الحالي هي الأزمة الداخلية العميقة في الأراضي المحتلة. يعتمد الائتلاف الحاكم بشدة على الأحزاب المتطرفة مثل “عوتسما يهوديت” و”الصهيونية الدينية”. هذه الاعتمادية أجبرت الحكومة على منح الضوء الأخضر لهؤلاء الوزراء لتنفيذ مطالبهم في الضفة الغربية.زيارة بن غفير إلى سجن عوفر مع مجموعة من الصحفيين اليمينيين، وقراره بتشديد ظروف المعتقلين الأمنيين، هي مثال على ذلك. هذه الإجراءات، التي تهدف إلى كسب رضا القاعدة الاجتماعية لليمين المتطرف، تؤدي مباشرة إلى زيادة التوتر في الضفة الغربية. بمعنى آخر، يضحي صانعو السياسة الإسرائيلية بالأمن الميداني من أجل بقائهم السياسي. هذه حلقة مفرغة تصب في مصلحة المقاومة: كلما زاد التوتر، أصبح المستوطنون أكثر تطرفًا، وكلما زاد تطرفهم، انخفضت شرعية النظام وقدرته على قمع المقاومة.خلصت الأجهزة الأمنية للجيش الإسرائيلي (الشاباك، أمان، القيادة المركزية) في تحليلاتها الأخيرة إلى أن رمضان المقبل يختلف جذريًا عن العامين الماضيين. في عامي 2024 و2025، كانت الأنظار الفلسطينية مركزة على تطورات غزة والخسائر الكبيرة. لكن هذا العام، مع انخفاض نسبي في حدة الصراعات في غزة، تتجه الأنظار نحو الضفة الغربية.عامل آخر هو “أثر الانفجار” لانتفاضة المسجد الأقصى. أي قيود جديدة على دخول الفلسطينيين إلى المسجد الأقصى خلال رمضان يمكن أن تكون شرارة للانفجار. لقد أثبتت التجربة أن المسجد الأقصى ليس مجرد مكان ديني، بل أصبح رمزًا للوحدة الوطنية الفلسطينية. في الوقت الذي تواجه فيه السلطة الفلسطينية تحديات شرعية، أصبح المسجد الأقصى العنصر الأهم في الوحدة.يبدأ رمضان هذا العام في الضفة الغربية في ظروف استراتيجية ضعيفة للاحتلال. الضعف في التنبؤ، الاعتماد على الوزراء المتطرفين، أزمة الشرعية الداخلية، وتآكل القدرة العسكرية في الصراعات الطويلة الأمد، كلها عوامل تجعل الأمور أكثر صعوبة بالنسبة للاحتلال. في المقابل، أظهرت قوات المقاومة في الضفة الغربية مرونة عالية باستخدام نموذج غير مركزي وشعبي. على الرغم من الضغوط الاقتصادية اليومية، إلا أن الإرادة العامة للمقاومة ضد الاحتلال لا تزال أقوى متغير في هذه المعادلة.ستظهر تطورات الأيام المقبلة في مدن الضفة الغربية، وخاصة في القدس المحتلة، أي طرف تمكن من إدارة الظروف لصالحه. ومع ذلك، فإن مخاوف قادة الأمن الإسرائيليين وعلامات الميدان تشير إلى أن حالة التوتر والصراع في الضفة الغربية دخلت مرحلة جديدة، ويجب توقع تصاعد مستوى الصراعات في جميع أنحاء الضفة الغربية.