في الرابع من يوليو عام 2017، هبط ناريندرا مودي في مطار بن غوريون، حيث كان في انتظاره بنيامين نتنياهو، رئيس وزراء الكيان الصهيوني، على البساط الأحمر. تبادل الاثنان التحيات، واصفًا مودي زيارته بأنها “زيارة رائدة”. كانت هذه الزيارة الأولى لرئيس وزراء هندي إلى إسرائيل، مشيرًا إلى اتفاقه مع نتنياهو على إزالة الحواجز بين البلدين.
بعد تسع سنوات من تلك الزيارة، يستعد مودي لرحلته الثانية إلى إسرائيل في 25 فبراير. يعتقد المحللون أنه حقق أهدافه في تعزيز العلاقات التي كانت تُعتبر سابقًا موضع انتقاد في الهند. العلاقة التي كانت تُمارس في الخفاء أصبحت اليوم واحدة من أكثر الصداقات وضوحًا بين نيودلهي وإسرائيل.لقد أطلق مودي على نتنياهو “صديقه العزيز”، حتى في ظل صدور مذكرة اعتقال من المحكمة الجنائية الدولية بحق نتنياهو بتهم ارتكاب جرائم إبادة جماعية في غزة. يبرر الدبلوماسيون الهنود هذا التحول نحو إسرائيل بأنه “نهج عملي”، مؤكدين أن إسرائيل تقدم فرصًا كبيرة في مجالات التكنولوجيا والدفاع.
في الوقت نفسه، تحاول نيودلهي تعزيز علاقاتها مع حلفائها العرب لتحقيق توازن. ومع ذلك، يعتقد المحللون أن هذا التغيير قد جاء بتكاليف باهظة، تؤثر على فلسطين وعلاقات الهند بها، فضلاً عن تآكل مصداقية الهند الأخلاقية.قال أنور علم، الباحث البارز في مؤسسة السياسات في نيودلهي: “إن التحول الهندي المزعوم نحو الواقعية قد كلف البلاد قوتها الأخلاقية التي كانت تتمتع بها سابقًا في العالم النامي”. وأشار إلى أن زيارة مودي تأتي في ظل استمرار الحرب في فلسطين، مما يعني “شرعنة حكومة الفصل العنصري الإسرائيلية”.
تاريخ دعم الهند لفلسطين يعود إلى فترة ما بعد الاستعمار، حيث كانت الهند من أشد المناصرين لقضية فلسطين. في عام 1947، عارضت الهند خطة الأمم المتحدة لتقسيم فلسطين، وفي عام 1988، كانت من أوائل الدول غير العربية التي اعترفت بفلسطين.بعد انتهاء الحرب الباردة، وعلى الرغم من سياسة عدم الانحياز الرسمية، تغيرت حسابات الهند، وبدأت في تعزيز علاقاتها مع الولايات المتحدة، مما أدى إلى إقامة علاقات دبلوماسية رسمية مع إسرائيل في يناير 1992. ومنذ ذلك الحين، أصبحت العلاقات الدفاعية العمود الفقري لهذه العلاقة، وتوسعت في السنوات الأخيرة إلى مجالات أخرى.
صعود مودي إلى السلطة في عام 2014 كان نقطة تحول رئيسية في العلاقات بين الهند وإسرائيل. حزب بهاراتيا جاناتا الذي يقوده مودي يتبنى أيديولوجية قومية هندوسية تسعى لتحويل الهند إلى أمة هندوسية. هذه الرؤية تتشابه مع نظرة إسرائيل لنفسها كموطن لليهود، حيث يعتبر الطرفان “الإرهاب الإسلامي” التهديد الرئيسي.في عهد مودي، أصبحت الهند أكبر مستورد للأسلحة الإسرائيلية. في عام 2024، خلال الحرب الإسرائيلية على غزة، قامت شركات الأسلحة الهندية ببيع صواريخ ومواد متفجرة لإسرائيل. قبل الرحلة القادمة، تم توقيع مذكرتي تفاهم لتعميق التعاون الدفاعي، وتدرس الهند تطوير نظام دفاع صاروخي مشترك مع إسرائيل. كما من المقرر أن يلقي مودي خطابًا في الكنيست.
قال ماكس رودنبك، مدير مشروع إسرائيل-فلسطين في مجموعة الأزمات في واشنطن، إن “خطاب مودي سيكون مميزًا، حيث يبرز مدى تحول العلاقات تحت قيادة حزب بهاراتيا جاناتا نحو سياسة مؤيدة لإسرائيل بشكل واضح”.سفر مودي إلى تل أبيب سيعزز من مكانة نتنياهو في ظل الانتخابات الوطنية المقبلة في إسرائيل، التي أصبحت بمثابة استفتاء على حكومته. ومع ذلك، فإن سلسلة من الفشل، بدءًا من الهجوم في 7 أكتوبر، قد تؤثر على نتائج هذا الاستفتاء.
يؤكد رودنبك أن هذه الزيارة “تقريبًا تعتبر خدمة شخصية لنتنياهو”، حيث أنها تأتي في وقت بدء الحملة الانتخابية، بينما لم يقم العديد من قادة العالم النامي بزيارات مماثلة لإسرائيل منذ بداية الحرب.في ظل الحرب في غزة، تقلصت قائمة الدول الراغبة في الظهور كأصدقاء لإسرائيل، مما يجعل زيارة مودي ذات أهمية خاصة. قال كبير تانيجا، المدير التنفيذي لمكتب الشرق الأوسط في مؤسسة الأبحاث ناظر في نيودلهي: “إسرائيل لا تمتلك حاليًا العديد من الأصدقاء على الساحة الدولية، وبالتالي تلعب الهند هذا الدور”.تستند زيارة مودي المقبلة إلى زيارة يوليو 2017، التي اعتبرها المحللون لحظة حاسمة في العلاقات الثنائية. قبل تلك الزيارة، لم يزر أي رئيس وزراء هندي إسرائيل، بل كانت الزيارات تُعتبر غير مقبولة. كسر مودي هذا التقليد ورفض زيارة فلسطين أثناء رحلته، مما أدى إلى تعميق العلاقات الثنائية.بعد زيارة 2017، ارتفعت قيمة التجارة بين الهند وإسرائيل من 200 مليون دولار في عام 1992 إلى أكثر من 6 مليارات دولار في عام 2024. لا تزال الهند ثاني أكبر شريك تجاري لإسرائيل في آسيا بعد الصين، حيث تتركز التجارة في مجالات الألماس والنفط والمواد الكيميائية.على الرغم من قربها من إسرائيل، لم تتجاهل نيودلهي تحت قيادة مودي موقفها بشأن القضية الفلسطينية، حيث لا تزال تدعو إلى حل الدولتين. ومع ذلك، أصبح النقد لجرائم الحرب الإسرائيلية أكثر حذرًا. تاريخ دعم الهند لفلسطين يعود إلى دورها في حركة عدم الانحياز، حيث كانت تتبنى سياسة حيادية خلال الحرب الباردة.قال تانيجا: “الشرق الأوسط هو المنطقة الوحيدة التي تعمل فيها هذه السياسة بشكل فعال. للهند علاقات جيدة مع إسرائيل والدول العربية وإيران”. ومع ذلك، تحت ضغط ترامب، توقفت الهند عن شراء النفط من إيران وتخلت عن تطوير ميناء تشابهار، الذي كان يُعتبر بوابة لآسيا الوسطى وأفغانستان.تتجه الهند نحو شرق أوسط لم يعد فيه لإيران تأثير كبير، مما يجعل إسرائيل قوة مهيمنة في المنطقة. يبدو أن الهند تستعد للاستفادة من هذا الوضع. تعتبر العلاقات الهندية الإسرائيلية مسارًا طويلًا من السرية إلى الصداقة الاستراتيجية، وقد جلبت فوائد دفاعية واقتصادية كبيرة، لكن هذا القرب جاء بتكلفة تآكل الدعم التقليدي لفلسطين.زيارة مودي المقبلة إلى تل أبيب ستعزز من شرعية إسرائيل وتدعم مكانة نتنياهو، بينما تسعى الهند للحفاظ على استقلالها الاستراتيجي وتوازن علاقاتها مع جميع الأطراف في الشرق الأوسط. إن مستقبل هذه العلاقة سيتأثر بالتطورات الإقليمية الكبرى، مما يعكس الأولوية العملية في السياسة الخارجية للهند المعاصرة، ولكن التحديات الأخلاقية والتاريخية لا تزال قائمة.