وفقًا لتقارير مجموعة الأخبار الدولية، فإن الإجراءات السريعة والمتتالية التي يقوم بها الصهاينة للسيطرة الكاملة على الضفة الغربية وضمها، لم تلقَ أي رد فعل من الولايات المتحدة، حتى وإن كان غير ملحوظ. هذا يعكس التفاهم والتنسيق بين الأمريكيين والصهاينة للاحتلال الكامل للضفة الغربية.
لماذا تلتزم الولايات المتحدة الصمت تجاه التحركات الخطيرة لإسرائيل في الضفة الغربية؟ يراها المحللون والمراقبون بمثابة ضوء أخضر لحكومة بنيامين نتنياهو لمواصلة تحركاتها لضم الضفة الغربية وتفريغ الفلسطينيين من أراضيهم. ويؤكدون أن المشروع الذي صممت الولايات المتحدة وإسرائيل للضفة الغربية أخطر بكثير مما يحدث في غزة.من المثير للدهشة أن الولايات المتحدة لا تبدي أي اهتمام بنشاطات الاستيطان الصهيونية في الضفة الغربية وضم الأراضي الفلسطينية، حيث لم يتحدث دونالد ترامب، الرئيس الأمريكي، أبدًا عن حل “الدولتين” لإنهاء الصراع الفلسطيني-الصهيوني. كما أن خطته المكونة من 20 بندًا لوقف إطلاق النار في غزة تمثل مسارًا طويلًا ومعقدًا، يشترط على الفلسطينيين التنازل عن حقهم الطبيعي في تقرير مصيرهم وإنشاء دولة مستقلة.
في الواقع، تم تقديم هذه الخطة استجابةً لطلبات مجموعة من حلفائه العرب خلال اجتماعهم في نيويورك في سبتمبر الماضي، حيث سعى ترامب لإنهاء خطته لغزة، التي من المتوقع أن تتحول إلى قرار 2803 في الأمم المتحدة.خلال فترة رئاسته الأولى، التي تزامنت مع حكومة نتنياهو السابقة، اعترف ترامب بالقدس عاصمة لإسرائيل ونقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس. كما تنازل عن حوالي ثلث الضفة الغربية للصهاينة في إطار مشروع “صفقة القرن” المعادي للفلسطينيين.
اليوم، يستمر ترامب في محاولاته لتقويض أي فرصة لإنشاء دولة فلسطينية مستقلة ودائمة، مستغلًا تبعات الحرب في غزة.الدعم الواضح من واشنطن للاحتلال وضم الضفة الغربية من قبل الصهاينة يؤكد أن الولايات المتحدة لا تعتبر نشاطات الاستيطان في الضفة الغربية والقدس المحتلة غير قانونية أو انتهاكًا للقوانين الدولية. حيث يواصل سفراء الولايات المتحدة في فلسطين التأكيد على صحة الرواية الإسرائيلية حول حق السيادة لهذا الكيان على الضفة الغربية، معتبرين ذلك وعدًا إلهيًا.
غالبية سفراء الولايات المتحدة في فلسطين كانوا من المستوطنين المتطرفين، وقد درسوا في المدارس والمراكز الحريدية في الأراضي المحتلة.إذا لم تكن حكومة اليمين المتطرف في إسرائيل واثقة من موقف الولايات المتحدة الداعم لمشاريعها الاستعمارية في القدس والضفة الغربية، لما تجرأت على اتخاذ مثل هذه القرارات الجريئة والخطيرة. في الوقت الذي حولت فيه إسرائيل، جيشها ومستوطنيها، مناطق واسعة من الضفة الغربية، خاصة في شمالها وغور الأردن، إلى خراب، لم يكن لواشنطن أي رد فعل أو تعبير عن القلق.بينما تتزايد انتهاكات الاحتلال في الضفة الغربية، فإن أكثر ما تطلبه واشنطن من نتنياهو هو تجنب إحراجه قدر الإمكان، لكي تستطيع الحفاظ على علاقاتها مع حلفائها العرب بما يخدم المصالح الاستراتيجية الأمريكية. هذا يعني أن الولايات المتحدة لا تعارض ضم الضفة الغربية، بشرط أن يتم ذلك بدون إعلان رسمي. الرسالة التي تحملها إدارة ترامب إلى نتنياهو واضحة: “استمر في عملياتك، لكن لا تضع ترامب في موقف محرج أمام حلفائه العرب الذين يحققون مصالح كبيرة لأمريكا.”بالطبع، فإن عدم فعالية وصمت الأنظمة العربية قد سهل على الولايات المتحدة وإسرائيل تنفيذ مشاريعهم الاستعمارية في فلسطين. المعادلة التي وضعها ترامب لـ”الضفة الغربية مقابل غزة” تعني أن الولايات المتحدة تتوقع من إسرائيل، على الأقل ظاهريًا، تسهيل تنفيذ خطة ترامب في غزة، مع الحفاظ على مصالح إسرائيل هناك.بعبارة أخرى، يسعى ترامب إلى تقديم عرض لنفسه أمام الرأي العام العالمي من خلال إقناع إسرائيل بتنفيذ خطته في غزة. المعادلة التي تبدو سائدة في سلوك الطرفين الأمريكي والإسرائيلي في الأراضي المحتلة تشير إلى أن واشنطن لن تتجاهل الأولويات العاجلة لتل أبيب في غزة، خاصة فيما يتعلق بالأسلحة والإدارة، بل ستعمل على تعديل تطرفهم.كل هذا يعني أن الحديث حول خطة ترامب وقرار الأمم المتحدة بشأن رؤية ذات مغزى لإنشاء دولة فلسطينية مستقلة هو مجرد لغط فارغ، يهدف فقط إلى تشتيت انتباه الرأي العام العالمي ومنح إسرائيل الوقت اللازم لضم الضفة الغربية وتهويد القدس.ما تريده واشنطن من نتنياهو هو تجنب خلق أي متاعب لأمريكا، حتى تتمكن من الاستمرار في الحصول على خدمات حلفائها العرب وتوسيع اتفاقيات التطبيع. بينما كانت إسرائيل سابقًا تعتبر الضفة الغربية أراضي متنازع عليها، فإنها اليوم تخرجها من نطاق النقاش وتعتبرها ملكًا خالصًا لها، قائلة إنه لا يوجد شيء يسمى الضفة الغربية، بل إن اسمها يهودا والسامرة، وهي جزء لا يتجزأ من الأرض الموعودة لشعب الله المختار.هذا النهج المتطرف من قبل الصهاينة، بدعم من الولايات المتحدة، أدى إلى دفن حل الدولتين إلى الأبد وإنهاء أوهام الأنظمة العربية في هذا الصدد. الدول العربية التي كانت قد وضعت تنفيذ الحل الدولتي شرطًا لتوقيع اتفاقيات التطبيع مع إسرائيل، أصبحت اليوم تدرك أنه لم يكن هناك أساسًا أي خطة لتنفيذ هذا الحل.اليوم، يقوم الصهاينة بدعم مباشر من الولايات المتحدة، بالتعاون مع المجتمع الدولي، وصمت العرب، بتوسيع أراضيهم المحتلة في فلسطين وإزالة تدريجية للهدف الفلسطيني، مما يجبر الفلسطينيين على التهجير القسري من أراضيهم، أو الاستسلام لقوانين نظام الاحتلال العنصرية والعيش في الأراضي المحتلة كـ”مواطنين من الدرجة الثانية”.في هذه الأثناء، فإن السلطة الفلسطينية، التي مهدت الطريق للاحتلال الصهيوني في الضفة الغربية بعد اتفاقيات أوسلو، تعاني من وضع هش للغاية وتواجه الانهيار. كل هذه الأحداث تحدث تحت إشراف الولايات المتحدة، التي لا تزال تدعي أن غزة هي أولويتها.لا ينبغي لأحد أن يتفاجأ من سلوك واشنطن، ليس فقط بسبب التعصب المطلق والأعمى تجاه إسرائيل الذي ورثته من حكومة إلى أخرى، ولكن أيضًا بسبب دراسة دقيقة لخطة ترامب المكونة من عشرين بندًا.تظهر الدراسة الدقيقة لهذه الخطة أن كل ما تم التفكير فيه لغزة لا يتناسب مع تلك المنطقة وحدودها الجغرافية، بل هو مجرد خداع؛ حيث يتم وضع إعادة إعمار غزة في حالة من الغموض، بينما يتحدث عن مشاريع خيالية مثل “الريفيرا”، ومن جهة أخرى يطالب بتنفيذ شرط إسرائيل لنزع سلاح المقاومة الفلسطينية بالكامل، بحيث لا يهدد أي خطر هذا النظام.من خلال دراسة الخرائط والتحركات الأمريكية والصهيونية في غزة والضفة الغربية، يمكن أن نستنتج أن هناك مشروعًا منظمًا لحذف الهدف الفلسطيني ودفن دولة فلسطين إلى الأبد. في هذه الظروف، فإن المسؤولية التاريخية للفلسطينيين تتطلب عدم وجود أي طرف خارجي في أرض فلسطين، سواء كان أمريكيًا أو صهيونيًا.على مر تاريخ الاحتلال الصهيوني لفلسطين، تمكن الشعب الفلسطيني من سلب أي شرعية عن هذا الاحتلال، ولهذا السبب لم تتمكن إسرائيل، رغم الدعم غير المحدود من الولايات المتحدة والقوى الدولية، من الاعتراف بها على المستوى الإقليمي والدولي، وتستمر في جهودها لتوسيع اتفاقيات التطبيع مع دول مختلفة.