في 19 فبراير، ألقى قاسم جومارت توكاييف، رئيس جمهورية كازاخستان، خطابًا في افتتاح “مجلس السلام” الذي أطلقه دونالد ترامب في واشنطن. لم يكن هذا الحدث مجرد مناسبة بارزة في السياسة الخارجية، بل كان له تداعيات محلية كبيرة.
تضمنت المبادرات المعلنة في هذا الاجتماع مشاركة كازاخستان في إعادة إعمار قطاع غزة، والتزامات مالية، بالإضافة إلى استعدادها لإرسال قوات حفظ سلام. ومع ذلك، تثير التحديات الاقتصادية والإصلاحات الدستورية في كازاخستان تساؤلات حول مدى جدوى اتخاذ مواقف نشطة ومكلفة في السياسة الخارجية في الوقت الراهن.يعتبر “مجلس السلام” بديلاً عن المؤسسات الدولية التقليدية، حيث ادعى ترامب أنه سيتجاوز الأمم المتحدة لضمان توافق الأداء مع مصالحه.
تأتي انطلاقة هذا المجلس في ظل تقليص الميزانية الأمريكية ووقف المساعدات للأمم المتحدة، في وقت تسدد فيه واشنطن جزءًا من ديونها المتأخرة. أعلن ممثل الولايات المتحدة في كازاخستان أن تسعة أعضاء في المجلس تعهدوا بتقديم حزمة مساعدات بقيمة 7 مليارات دولار لقطاع غزة، حيث أبدت كازاخستان وأوزبكستان وأذربيجان والإمارات والمغرب والبحرين وقطر والسعودية والكويت استعدادها للمشاركة.ومع ذلك، يشير الخبراء إلى أن هذه الأرقام أقل بكثير من الاحتياجات الفعلية، حيث قد تتطلب إعادة إعمار غزة حوالي 70 مليار دولار وفق تقديرات الأمم المتحدة.
تتعقد الأمور أكثر بسبب المطالب السياسية مثل نزع سلاح حركة حماس، التي تعتبرها أمريكا والاتحاد الأوروبي جماعة إرهابية. لا توجد أي مؤشرات على أن الحكومات الغربية أو الإقليمية تعتزم إعادة النظر في هذه التصنيفات.تميزت قمة واشنطن بمشاركة منسقة من الدول الأعضاء في “منظمة الدول الناطقة بالتركية”، حيث عملت كازاخستان وأوزبكستان وأذربيجان وتركيا ككتلة جيوسياسية، رغم عدم إصدار أي بيانات رسمية عن تحالف مشترك.
تسعى كازاخستان من خلال مشاركتها في هذا المجلس الأمريكي إلى تعزيز دورها الإقليمي، حيث أعلن توكاييف عن استعداد كازاخستان لإرسال وحدات طبية ومراقبين عسكريين، وتقديم 500 منحة دراسية للطلاب الفلسطينيين.تعمل كازاخستان على تعزيز صورتها كقوة وسطى، مستعدة للوساطة الدبلوماسية والمشاركة الفعلية في الجهود الأمنية الدولية. يتماشى هذا مع مشاركتها الحالية في بعثات الأمم المتحدة، حيث يوجد 139 جنديًا كازاخستانيًا تحت قيادة قوات الأمم المتحدة في مرتفعات الجولان.
ومع ذلك، تثير هذه الأنشطة الخارجية تساؤلات وانتقادات داخل البلاد، حيث يخشى البعض من أن الانخراط في البرامج الدولية قد يشتت الانتباه عن الضغوط الاقتصادية الداخلية المتزايدة.أما أوزبكستان، فقد حددت موقفها بوضوح، حيث أعلن شوكت ميرضيائيف عن استعداد بلاده للمشاركة في تطوير البنية التحتية الاجتماعية في غزة، مع التأكيد على ضرورة دعم السكان المحليين لأي هيكل حكومي.
تسعى أوزبكستان إلى تقليل التوترات العسكرية وتعزيز التفاعلات الاقتصادية، مما يعكس رغبتها في أن تكون لاعبًا إقليميًا مسؤولًا.في المقابل، اتخذت أذربيجان موقفًا مدروسًا، حيث أكدت عدم وجود نية للمساهمة المالية في حزمة المساعدات، رغم دعمها للأهداف الكبرى للاستقرار الإقليمي. رسمت باكو حدودًا واضحة بين الحضور السياسي والمشاركة المالية.أما تركيا، فقد تسعى لتكون لاعبًا رئيسيًا في القضية الفلسطينية، حيث أبدت استعدادها لتقديم مساعدات إنسانية ومشاركة في إعادة بناء الهياكل الإدارية. رغم ذلك، يبقى قرار إرسال قوات تركية في غزة مرهونًا بإجماع دولي.
على الرغم من عدم ذكر اسم “منظمة الدول الناطقة بالتركية” في الوثائق الرسمية، إلا أن التنسيق بين كازاخستان وأوزبكستان وأذربيجان وتركيا يشير إلى تشكيل تحالف غير معلن يسعى لتعظيم مصالحه الجيوسياسية تحت مظلة المشاريع الأمريكية الجديدة في المنطقة.