أعاد عودة إيران وأمريكا إلى طاولة المفاوضات النووية في مسقط، عمان، فتح فصل جديد من المواجهة الدبلوماسية بين طهران وواشنطن. هذه الجولة من المفاوضات، التي جرت بوساطة عمان وبعد فترة توقف ملحوظة، لم تجذب انتباه الأطراف المعنية فحسب، بل أثارت ردود فعل واسعة بين المراقبين الإقليميين والدوليين.
في هذا السياق، تناولت وسائل الإعلام والمحللون المرتبطون بالنظام الصهيوني هذا الحدث بموقف متناسق ومشدد، حيث عبروا عن قلقهم العميق من احتمال تغيير توازن القوى في المنطقة وارتفاع قوة إيران في حال عدم حدوث هجوم عسكري والوصول إلى اتفاق محتمل، حتى وإن كان ضعيفاً.وسائل الإعلام مثل “يديعوت أحرونوت” و”جيروزاليم بوست” وشبكات مثل “كان” و”القناة 12″ الإسرائيلية، رغم اختلافات طفيفة في النبرة، أكدت جميعها أن من وجهة نظر تل أبيب، فإن إحياء الدبلوماسية بين واشنطن وطهران يعني تراجع أمريكا وفشل استراتيجي لهذا البلد وللرئيس.
يمكن تحليل أسباب هذه المخاوف والمعارضة من زوايا متعددة. من منظور نظريات العلاقات الدولية، خصوصاً “الواقعية العدوانية”، ترى إسرائيل أن أي تخفيف للتوترات في العلاقات بين إيران والدول الغربية، خصوصاً أمريكا، وتعزيز القدرة العسكرية الإيرانية يعد تهديداً مباشراً لتفوقها المطلق في المنطقة. نجاح المفاوضات قد يؤدي إلى تحسين الوضع الاقتصادي لإيران ويعزز من قدرتها الدبلوماسية والتجارية والعسكرية للعب دور أكثر فعالية في المعادلات الإقليمية.هذا السيناريو يتعارض تماماً مع الاستراتيجية القديمة للنظام الصهيوني التي تهدف إلى الحفاظ على علاقة متوترة بين إيران وأمريكا. لم تقتصر ردود الفعل الإعلامية الصهيونية على مجرد التعبير عن القلق، بل ترافقت مع مجموعة من الإجراءات الدعائية والتحليلية لتأثير الرأي العام الداخلي والدولي وللضغط على سير المفاوضات. أحد المحاور الرئيسية كان السعي لتقليل إنجازات هذه الجولة من المفاوضات. على سبيل المثال، ادعت شبكة “كان” الإسرائيلية أن المفاوضات في مسقط جرت في أجواء “حذرة” ولم تحقق “تقدماً ملموساً”، وكانت مجرد أداة لـ”إدارة الأزمة” ومنع تصعيد التوترات.كما ذكرت الشبكة في تقرير آخر أن إيران لا تزال تمتنع عن تقديم أي تنازلات مقابل وقف تخصيب الوقود النووي. وفقاً لتقرير صحيفة “جيروزاليم بوست”، أكدت إسرائيل لممثل أمريكا أن أي اتفاق مقبول يجب أن يتجاوز القضايا النووية ويشمل التوقف الكامل عن تخصيب اليورانيوم، وتدمير المخزونات، وحل برنامج الصواريخ الباليستية، ووقف دعم حلفاء إيران الإقليميين. هذه المطالب عمداً تتجاوز المواقف المعلنة من إيران، حيث أكد المسؤولون الإيرانيون مراراً أن برنامجهم الصاروخي، الذي يعتبر دفاعياً، “لا يمكن التفاوض عليه” وأن نطاق المحادثات يجب أن يقتصر على القضية النووية.الفجوة التي تم رسمها في بعض التقارير الإسرائيلية بين أهداف إدارة ترامب وبنيامين نتنياهو، رئيس وزراء هذا النظام، أيضاً تعتبر مهمة. أشارت “هآرتس” إلى تضارب واضح في أهداف الطرفين: “بينما يبدو أن ترامب يسعى إلى تحقيق “اتفاق جديد”، يسعى نتنياهو – على الأقل في التصريحات العامة – إلى الإطاحة بنظام الجمهورية الإسلامية الإيرانية. حذرت هذه الوسيلة الإعلامية الصهيونية من أن تل أبيب قلقة من أن ترامب قد يفقد رغبته في تنفيذ الالتزامات المستقبلية المتعلقة بالعمل العسكري ضد إيران أو أن رفع العقوبات قد يؤدي إلى “شرعنة” أكبر لإيران.لذا، أشار بعض المحللين الأمريكيين المعارضين للعمل العسكري ضد إيران إلى هذا الخطر، وهو أن النظام الصهيوني قد يحاول التأثير على رئيس الولايات المتحدة لعرقلة سير المفاوضات. كما وصفت أخبار القناة 12 الإسرائيلية المفاوضات النووية في عمان بأنها “آخر محطة قبل الانفجار”، وكتبت: يبدو أن المفاوضات في عمان هي آخر خطوة دبلوماسية قبل استخدام الطرفين للقوة العسكرية ضد بعضهما البعض، والتقييمات تشير إلى أن الهدف الحقيقي لواشنطن هو الحصول على شرعية لعملية عسكرية ضد إيران.لن يسمح ترامب لإيران بتأخيره لفترة طويلة. كتبت مؤسسة الدراسات الأمنية الوطنية للنظام الصهيوني حول المفاوضات النووية بين إيران وأمريكا: “الفجوات بين طهران وواشنطن عميقة، وبدون تنازلات ملحوظة من إيران، ستعود الخيار العسكري إلى الأولوية الرئيسية. ومع ذلك، يبدو أنه لم يتم تقديم خطة عمل عسكرية قصيرة الأمد تضمن مطالب ترامب بشأن إيران. بالنسبة للمفاوضات، فإن أي اتفاق يركز فقط على البرنامج النووي وقد يوفر حتى إمكانية رفع جزئي للعقوبات، يمنح النظام في طهران الأوكسجين ويعزز المعارضة الإيرانية بشكل كبير. من وجهة نظر إسرائيل، مثل هذا الاتفاق لن يحل التحديات الناجمة عن الإنتاج السريع للصواريخ من قبل إيران ودعمها للمنظمات العسكرية مثل حزب الله والمليشيات في العراق واليمن.كما كتبت وسائل الإعلام الصهيونية “إيبوك” حول المفاوضات النووية الإيرانية: “المفاوضات في عمان: محاولة لمنع تصعيد التوترات أو محاولة إيران لشراء الوقت؟” يقدر المسؤولون الأمنيون الإسرائيليون أنه على الرغم من الصعوبات، لا تزال إيران متمسكة برؤيتها المتشددة بشأن تقديم تنازلات إضافية للطرف الآخر بينما تحاول عدم تجاوز الخطوط الحمراء، لكسب المزيد من الوقت لنفسها.
بالإضافة إلى هذه التحليلات السياسية، استخدمت وسائل الإعلام والصحفيون الصهاينة أدوات الحرب الناعمة. نشر الأخبار الكاذبة، مثل ادعاء إلغاء المفاوضات في مسقط من قبل باراك راويد، الصحفي الصهيوني في أكسيوس، هو مثال على هذه الجهود لإحداث عدم استقرار نفسي واختبار ردود الفعل.أيضاً، طرح ادعاءات متكررة حول المنشآت النووية السرية – التي وصفتها إيران بأنها لا أساس لها – أو محاولة تشويه سمعة المفاوضين، هي جزء من استراتيجية أوسع لزعزعة مصداقية العملية الدبلوماسية وإحداث أجواء من التوتر. يمكن تحليل هذه الإجراءات في إطار “نظرية القوة الناعمة” و”الدبلوماسية القسرية”، والهدف النهائي منها هو إقناع الرأي العام العالمي والمسؤولين الأمريكيين بعدم جدوى أو خطورة المفاوضات مع إيران.