أفادت التقارير أن إعلان تشكيل ما يسمى بمجلس السلام، الذي تم تقديمه من قبل دونالد ترامب، رئيس الولايات المتحدة، في إطار خطته لوقف إطلاق النار في غزة، أثار العديد من الأسئلة حول الأهداف الحقيقية لهذا المجلس وقدرته على تحقيق هذه الأهداف.

طرح محسن محمد صالح، الكاتب والباحث الفلسطيني، تساؤلات حول ما إذا كان مجلس السلام بقيادة ترامب سيتمكن من تحقيق الأهداف المعلنة لإعادة إعمار غزة، نزع سلاح المقاومة، وضمان انسحاب إسرائيل من المناطق المتبقية من غزة وفقاً لخطة وقف إطلاق النار. وقد تناول المقال هشاشة الهيكلية لهذا المجلس.

وفقاً للمقال، فإن مجلس السلام في غزة، بدلاً من أن يكون حلاً للنزاع بين الفلسطينيين والصهاينة، سيتحول إلى إدارة هذا النزاع وتقديم مبررات لاستمرار الاحتلال الإسرائيلي. وبالتالي، فإن هذا المجلس سيصبح في النهاية كـ “بطة عرجاء”، بلا مبرر لوجوده، في انتظار انفجار الأوضاع مجدداً.الخطوات السياسية ومنطق القوة

لم يقدم مجلس السلام الذي أعلنه ترامب حلاً عادلاً لقضية فلسطين، كما أنه لم يخلق مساراً متفقاً عليه بين الفلسطينيين والإسرائيليين والعرب والمجتمع الدولي. إن هذا المجلس هو مجرد خطوة نحو وقف مؤقت للحرب المدمرة التي تشنها إسرائيل ضد غزة، وليس كما يدعي، بداية عملية إعادة إعمار هذا القطاع.

هذا المجلس ليس مشروعاً سياسياً شاملاً، ولا خريطة طريق لعملية حل النزاع الفلسطيني-الصهيوني. السبب وراء قبول مجلس السلام على المستوى الدولي هو عدم رغبة أحد في مواجهة ترامب خشية الانتقام. بينما كان الأطراف العرب والدوليون يأملون في رؤية نهج أكثر واقعية من ترامب، الذي أظهر دائماً سعيه لتحقيق نتائج سريعة.

علاوة على ذلك، فإن أحد عوامل الدعم الدولي لمجلس السلام لترامب هو أن قبول هذا المجلس كان ضرورياً للمصادقة على وقف إطلاق النار في غزة وإنهاء الحرب المدمرة التي يشنها الاحتلال ضد هذا القطاع.ومع ذلك، فإن مجلس السلام لترامب هو خطة قصيرة الأمد، حيث أن أسسه تعتمد على معالجة القضايا الميدانية العاجلة بدلاً من تقديم حلول مستدامة، مما يقلل من فرص نجاحه.

نقاط الضعف والعيوب الهيكلية لمجلس السلام لترامب

إن مجلس السلام الذي أعلنه ترامب ليس قائماً على أسس متينة، وهو عرضة للعدم والاستقرار مع مرور الوقت. يمكن تلخيص أبرز عيوبه كما يلي:

– مشكلة التعريف، الهوية والدور: تم الإعلان عن مجلس السلام في البداية كهيئة إدارية انتقالية دولية كجزء من خطة الولايات المتحدة لإنهاء الحرب في غزة، وكانت مهمته إنشاء إطار عام لإعادة إعمار غزة، وتنسيق الميزانية الدولية، والإشراف على اللجنة التقنية والمجلس التنفيذي.

ومع ذلك، عندما وقع ترامب ميثاق المجلس في دافوس، أعاد تعريفه كمنظمة دولية لحل النزاعات، دون أي إشارة صريحة لغزة وجرائم الاحتلال الإسرائيلي ضد الشعب الفلسطيني، مما وسع من أبعاده. وقد عززت بنود هذا المجلس الاعتقاد لدى الكثيرين أن ترامب يعتزم استخدامه كبديل عن الأمم المتحدة وهيئاتها.هذا الموقف من ترامب أثار قلقاً كبيراً وأضعف إمكانية مشاركة الشركاء الدوليين المؤثرين مثل روسيا والصين والدول الكبرى الأوروبية وغيرها. وفي الوقت الذي قد لا تسعى فيه القوى العالمية المؤثرة لمواجهة هذا المجلس بشكل مباشر، فإنها على الأقل ستسعى لتقويض طبيعته وفتح قنوات تؤدي تدريجياً إلى فشله.

– على الرغم من أن مجلس السلام له أبعاد دولية، إلا أن قيادته محصورة في الولايات المتحدة، مما يمنح ترامب سلطات استثنائية ويجعل القرارات المتعلقة بهذا المجلس خاضعة لرغباته. وهذا يجعل مجلس السلام يبدو أشبه بحكومة دكتاتورية بدلاً من كونه هيئة دولية محترمة. في هذا المجلس، ترامب هو من يقرر للجميع.

– يفتقر مجلس السلام أيضاً إلى الشرعية الدولية، حيث لم يحصل على أي شرعية من الأمم المتحدة أو أي هيئات دولية أخرى، ولا من أي قرار ملزم دولياً، وهو يفتقر إلى الأساس القانوني والدستوري. هذا المجلس لم يُبنى على قرارات دولية أو حقوق دولية، ولا يلتزم بالمعايير والأعراف الدولية، مما يجعله بمثابة بيئة للتقلب ومنطق القوة.- كما أن المجلس يتجاهل المعايير الإنسانية والأخلاقية والقانونية، وبدلاً من حل النزاع الفلسطيني-الصهيوني، اتجه لإدارة هذا النزاع بما يخدم مصالح إسرائيل. كما أن المجلس يفتقر إلى الشرعية الفلسطينية، بمعنى أنه يُعتبر مجلس وصاية استعمارية يُفرض على الفلسطينيين.

هذا المجلس ليس ممثلاً لشعب فلسطين أو معبراً عن إرادتهم، وبالتالي لا يشعر الفلسطينيون بأنهم ملزمون بتنفيذ أوامره وقراراته. كما يتجاهل المجلس مئات القرارات الدولية التي تضمن حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره، بالإضافة إلى الهيئات الممثلة للفلسطينيين مثل منظمة التحرير الفلسطينية.

– اللجنة التقنية لإدارة غزة التابعة لهذا المجلس ليست سوى مجموعة من الموظفين الإداريين في نظام استعمار وخدماتي. بالإضافة إلى ذلك، فإن مجلس السلام يفصل قطاع غزة عن الضفة الغربية والنظام السياسي والشعبي الفلسطيني، ويقطع تمثيل الفلسطينيين الموحد.- يسعى المجلس إلى السيطرة بشكل أحادي على قطاع غزة وترتيباته المستقبلية، متجاهلاً إرادة الشعب الفلسطيني والقرارات الدولية الداعمة لهم. الطرف الفلسطيني غائب عن عضوية المجلس، مما يعني أنه لا يوجد ممثل أو دور حقيقي في اتخاذ القرار للطرف الرئيسي في قضية غزة، التي تعتمد إدارتها وإعادة إعمارها عليه.

– الهيئة المعروفة بمجلس السلام (في إطار خطة ترامب) تحول قضية فلسطين من موضوع حق وعدالة وحرية إلى مشكلة اقتصادية وأمنية، مما يبقي جميع عناصر النزاع المستقبلية دون تغيير. في الوقت الذي يتم فيه معاقبة الضحية، يُكافأ المحتل، بحيث يمكن للصهاينة البقاء في غزة طالما يشاءون، ولا شيء يمنع من استمرار الاعتداءات والاغتيالات والدمار والحصار الإسرائيلي ضد غزة.- في الوقت نفسه، فإن النظام الإسرائيلي هو عضو في مجلس السلام، مما يعني أن مجرمي الحرب من المفترض أن يكونوا شركاء في إنشاء ما يسمى بعملية السلام وتشكيل مستقبل غزة. أي أن أولئك الذين دمروا غزة وسفكوا دماء أهلها، من المفترض أن يصبحوا شركاء رئيسيين في تحديد مصيرها.

بهذا الشكل، يتم إدراج المجرم ضمن إطار الحل، ويجلس المتهم في مكان القاضي، ويُفرغ مفهوم العدالة من معناه، ويمكن لبنيامين نتنياهو، رئيس وزراء النظام الإسرائيلي المجرم، الذي هو قيد التحقيق من قبل المحكمة الجنائية الدولية، أن يصلح صورته السوداء على المستوى الدولي.لكن الخطر الكبير الذي يكمن في مجلس السلام لترامب يتعلق بإضفاء الشرعية على الاحتلال الإسرائيلي. هذا المجلس لا يجبر الصهاينة على الانسحاب من غزة، بل يسمح لهم بتحويل الاحتلال المؤقت في هذا القطاع إلى احتلال دائم، بينما يتم معاقبة الشعب الفلسطيني ومقاومته.

كيف يدفع ترامب مجلس السلام إلى الفشل؟

في هذه الأثناء، تعتقد الأوساط الأمريكية أن المشكلات الداخلية والأزمات في السياسة الخارجية لترامب، تخلق بيئة غير مناسبة لنجاح “مجلس السلام” تحت قيادته. أشارت صحيفة نيويورك تايمز في 23 يناير إلى ما لا يقل عن 4 مشكلات تؤثر على الأمريكيين والعالم، وترامب هو السبب فيها:

– انهيار النظام الدولي.
– انهيار الاستقرار الداخلي في الولايات المتحدة.
– تفكك النظام الديمقراطي الأمريكي.
– انهيار عقلية ترامب.وفقاً لهذا المقال، منذ وصوله إلى منصب الرئاسة، لم يتوقف ترامب عن زعزعة النظام الداخلي الأمريكي، مما أشعل النزاعات في البيئة العالمية. هذه الحالة تعيق الحد الأدنى من المتطلبات اللازمة لعمل “مجلس السلام” بشكل منهجي ومستدام وفعال. بالإضافة إلى ذلك، بعد حوالي تسعة أشهر، سيواجه ترامب انتخابات منتصف المدة، حيث تظهر استطلاعات الرأي احتمالاً كبيراً بأن حزبه الجمهوري سيفقد السيطرة على مجلس النواب، مما سيعيق قدرته على تنفيذ رؤيته.

علاوة على ذلك، يحمل مجلس السلام العديد من بذور الفشل في داخله، وقد يفتح الباب أمام نزاعات جديدة، وينقل حرب غزة إلى مرحلة جديدة بوسائل مختلفة.آفاق مستقبل مجلس السلام

يبدو أنه لا أحد سيتحدى تشكيل مجلس السلام مع ترامب. العديد من الدول العربية والإسلامية والدولية ستشارك لأسباب مختلفة، ولكن أساساً لا يؤمنون بدكتاتورية ترامب أو حقه في القيادة العالمية وخلق نظام عالمي جديد.

ومع ذلك، فإن عمل هذا المجلس على المدى القصير، سيستمر مع تلاقي مصالح عدة أطراف. الهيئة المعروفة بمجلس السلام تمنح النظام الإسرائيلي احتلالاً بلا التزام، وتمنح الأمريكيين نفوذاً بلا تكلفة، وتوفر للعديد من الأنظمة العربية والإسلامية فرصة لتهميش المقاومة الفلسطينية، كما تخلص العديد من حكومات العالم من الضغوط الشعبية بسبب صمتها تجاه جرائم إسرائيل ضد الشعب الفلسطيني.على الجانب الآخر، ستستمر معركة الشعب الفلسطيني؛ حيث يصر الفلسطينيون على حقوقهم السياسية في مواجهة الاحتلال والاعتداءات الإسرائيلية، ويرفضون نزع سلاح مقاومتهم. وبالتالي، ستبقى حالة النزاع الفلسطيني-الصهيوني متأرجحة بين أمواج مختلفة من التوترات.

من وجهة نظر الفلسطينيين، فإن تجنب المواجهة مع مجلس السلام وآلياته، يعني قبولاً عملياً بالخدمات، والسماح للجنة التقنية بالعمل، والسعي لتفعيل النشاط الشعبي وإطارات الاتحاد، مما يفرض إجراءً خارجياً لإدارة الأمور، لكن هذا لا يعني أن الفلسطينيين سيستسلمون ويتخلون عن النضال.سيناريوهات انهيار مجلس السلام لترامب

– السيناريو الأول، النجاح الظاهري المحدود: بموجب الإجراءات الأمريكية والتعاون العربي والإسلامي، ستُبذل جهود لتحقيق النجاح في عدة جوانب، خاصة في مجال الإغاثة وإعادة الإعمار وتشكيل الهيئات الإدارية والأمنية، لكن عملية إعادة الإعمار ستكون بطيئة جداً، ولا يوجد ضمان بشأن انسحاب إسرائيل، في حين أن خطة نزع سلاح المقاومة لن تُنفذ بسرعة وبنجاح.هذا السيناريو سيتزامن أيضاً مع جهود القوى العالمية مثل الصين وروسيا والدول الأوروبية المؤثرة لتقليل نشاط المجلس إلى قطاع غزة.- السيناريو الثاني، التآكل التدريجي: بسبب العوائق والنقائص المذكورة سابقاً، والأزمات المتزايدة والمشكلات الداخلية والخارجية التي تواجه ترامب، وعدم قدرته على تنفيذ رؤيته لغزة والمنطقة، مع جهود القوى الكبرى الدولية لتقويض المجلس وجعله غير فعال، سيواجه المجلس تآكلاً تدريجياً.هذا السيناريو سيرتبط بأدوار متضاربة بين الفاعلين، وزيادة الابتزاز والعراقيل الإسرائيلية، وضعف الميزانية، وتصاعد الغضب والإحباط لدى الفلسطينيين، وعدم نزع سلاح المقاومة، وانخفاض حماس واهتمام الإعلام العربي. نتيجة لذلك، سيبدأ المجلس تدريجياً في فقدان أهميته، وفي النهاية سينحل مع مرور الوقت. هذا الأمر سيزيد من احتمالية المواجهة بين الاحتلال الإسرائيلي والمقاومة.- السيناريو الثالث، تقسيم الأدوار والمصالح: تتعارض مصالح الصين وروسيا مع مصالح ترامب في تجاوز النظام الدولي ونظام الأمم المتحدة، مما يخلق بيئة عالمية قائمة على “القوة والمصالح الشخصية”.قد يرتبط هذا الأمر برهان الصين وروسيا على أن إنجازات ترامب في مناطق مختلفة من العالم، مثل قارة أمريكا، غرينلاند، والشرق الأوسط، ستكون مؤقتة، وأنه ليس لديه القدرة على الحفاظ على الإنجازات ومواجهة التحديات المتعددة التي يواجهها؛ في حين أن إنجازات الصين في تايوان، وروسيا في أوكرانيا قد تكون أكثر استدامة.في هذا السيناريو، قد تزداد الضغوط على غزة وكذلك الدول العربية لدفعها نحو تطبيع العلاقات مع النظام الصهيوني، مما سيؤجج الغضب العام في صفوف شعوب المنطقة على المدى المتوسط والطويل.النتيجة التي يمكن استخلاصها هي أن مجلس السلام لترامب هو في الواقع مجلس إدارة أزمة مؤقت، سيتعرض للانهيار من خلال الانحلال والتآكل التدريجي، ويفقد دوره وطبيعته.