في تقرير لمشرق، كتب جعفر بلوري في صحيفة كيهان:

1- في فجر يوم الجمعة، وردت أنباء تفيد بأن القوات الصهيونية خلال عملية لاعتقال ثلاثة مواطنين سوريين في منطقة “بیت جن”، واجهت “أول مواجهة جدية” مع الشباب السوري. هؤلاء الشباب الغاضبون، الذين تعرضوا على مدار عام كامل لكل أشكال الإهانة والاعتداء من قبل الصهاينة والإرهابيين، هاجموا الجنود الصهاينة وأصابوا ستة منهم، حيث كانت حالة ثلاثة منهم حرجة. عندها تدخلت الطائرات المسيرة والمقاتلات الصهيونية، مستهدفة المدنيين والمنازل لإنقاذ جنودها. كما أن هناك تقارير في بعض وسائل الإعلام العربية تشير إلى أن عددًا من الجنود الصهاينة تم أسرهم على يد الشباب السوري، ولكن بعد الهجمات الجوية التي أدت إلى تدمير 20 مبنى سكنيًا، لم تُعرف مصيرهم.يمتلك الجيش الصهيوني وحدة في “إدارة المعلومات” تُعرف بـ”وحدة الرقابة العسكرية”، حيث يتم تحديد كيفية نشر أخبار الخسائر والأضرار. وجود هذه الوحدة يعني أن الأرقام التي تقدمها إسرائيل عن خسائرها مُعَدَّلة وأقل من الواقع. بالإضافة إلى ذلك، وفقًا لبروتوكول “هانيبال”، الذي أُقر في عام 2011، لا ينبغي أن يقع أي جندي صهيوني في يد العدو حيًا! لذا، ليس من المستبعد أن يكون بعض الجنود الذين قيل إنهم أسروا قد قُتلوا في الغارات الجوية، جنبًا إلى جنب مع 20 مدنيًا سوريًا، ثم تم نقلهم بواسطة مروحيات إلى مستشفى “شيبا”.2- سقطت دمشق في 8 ديسمبر 2024، أي قبل حوالي عام، وخلال هذا العام، قامت إسرائيل بكل ما تريده ضد هذا البلد وشعبه. من احتلال أجزاء واسعة من جنوب غرب سوريا، إلى قصف جميع البنى التحتية العسكرية وحتى المباني الحكومية ومقر الرئاسة. كما أن إسرائيل أنشأت قواعد عسكرية ونقاط تفتيش في سوريا لاستجواب الناس، وأجرت تدريبات عسكرية دون الحاجة للحصول على إذن من دمشق!قبل فترة، ظهرت صور غير مسبوقة لبنيامين نتنياهو، وبني غانتس، وعدد من المسؤولين الصهاينة في الأراضي السورية. كل هذه الأحداث قد تعطي دافعًا كافيًا للشباب السوريين ليقوموا بما حدث في “بیت جن”، والذي، كما قال كاتب العمود في الأخبار، “قلب حسابات إسرائيل في سوريا”.3- يبدو أن أحداث منطقة “بیت جن” قد أنهت فترة الهدوء للصهاينة في سوريا، حيث لم يعد بإمكانهم التحرك بحرية كما في السابق، حتى لو أراد النظام الجولاني ذلك! من المؤكد أن الصهاينة سيفعلون أي شيء للحفاظ على وجودهم في سوريا، لكن الشعب السوري لا يريد استمرار هذا الوضع. تشير التطورات في سوريا إلى أن السوريين لا يزالون غاضبين من وجود المحتلين الصهاينة والإرهابيين وجرائمهم.بعد الكشف عن العملية الإسرائيلية في هذه المدينة، ومقتل عدد من المدنيين السوريين على يد الصهاينة، خرجت حشود كبيرة من السوريين في مظاهرات ضد الصهاينة، حيث أُحرقت فيها أعلام هذا النظام، لأول مرة منذ عام. كما أن نجاح الشباب السوري في استهداف الجنود الصهاينة، الذي أدى إلى فرارهم وتركهم لمركبتهم العسكرية، قد يثير مشاعر الغضب المكبوتة.ربما قبل شهر واحد، لم يكن أحد في سوريا يجرؤ على القيام بأي نشاط ضد المحتلين الصهاينة، خوفًا من النظام الجولاني الذي ارتكب مجازر واسعة ضد العلويين والدروز، وأيضًا من خوف القوات الصهيونية. لكن ما حدث في “بیت جن” أظهر أنهم قد وجدوا الشجاعة اللازمة.4- تسعى إسرائيل وأمريكا، مستفيدتين من تجربة غزة، إلى إخضاع دول أخرى. تخيفان لبنان من مصير غزة، لتجريد حزب الله من سلاحه؛ وتخيفان فنزويلا من مصير هذه المنطقة، لتجعل مادورو يتنحى لصالح شخصية غربية. هذه السياسة، مع بعض التعديلات، تُطبق في سوريا أيضًا، مما أدى إلى صعود شخصية ضعيفة جدًا أمام الغرب وإسرائيل.الأحداث في فجر الجمعة في “بیت جن” هي في الواقع رد على هذه السياسة. لقد أدرك السوريون أن الوضع الحالي ليس أفضل من فترة بشار الأسد، وأن كلما تقدم الوقت، زادت الإهانة والعودة إلى الوراء. لقد قالت إسرائيل وأمريكا مرارًا وتكرارًا وبوضوح إن الوضع في سوريا هو المثالي بالنسبة لهم، ويريدون أن تصبح إيران ولبنان مثل سوريا! لكن سوريا تضم 30 مليون نسمة، 87% منهم مسلمون.عدد سكان سوريا يعادل تقريبًا 15 ضعف عدد سكان غزة، ومساحتها 507 أضعاف هذه المنطقة. كما أن الوضع الداخلي في إسرائيل أسوأ مما يقوله نتنياهو أمام الكاميرات. الاقتصاد في حالة انهيار كامل، والنظام يعتمد على المساعدات الأمريكية والعربية الرجعية، وقد زادت الهجرة العكسية بشكل غير مسبوق. وبصرف النظر عن الخلافات الداخلية التي تعصف بالأراضي المحتلة، فمن غير المرجح أن يتمكنوا من مواجهة ثورة مسلحة في بلد يضم 30 مليون نسمة!5- في الختام، لا ينبغي النظر إلى ما حدث في فجر الجمعة في “بیت جن” على أنه مجرد صراع عسكري بسيط. هذه الحادثة هي رد على عام كامل من الاحتلال والإهانة وسياسة “الخوف والترهيب” التي كانت تحاول، من خلال الاقتداء بغزة، أن تجعل الشعب السوري ينحني. النقطة الحاسمة في هذا الحدث هي أنه جاء بشكل عفوي وشعبي. هذه العملية لم تكن من تنظيم مجموعة عسكرية، بل خرجت من بين صفوف الناس والشباب الذين لا يريدون المزيد من الإهانة.السؤال الأساسي الآن ليس ما هي ردود فعل إسرائيل، بل هل يمكن أن تكون شرارة “بیت جن” بداية لثورة أكبر في جميع أنحاء سوريا؟ مع الأخذ في الاعتبار التركيبة السكانية لـ30 مليون نسمة والمساحة الاستراتيجية لهذا البلد، فإن الإجابة هي نعم. هذه حقيقة أن النظام الصهيوني المكروه، مع اقتصاد مدمر، وخلافات داخلية عميقة، واعتماد كامل على الدعم الخارجي، ليس لديه القدرة على إدارة انتفاضة شعبية واسعة النطاق في بلد بهذا الحجم.