تجاوزت فترة الاحتلال والجرائم ضد الإنسانية التي استمرت نحو ثمانين عاماً حدود النزاع الإقليمي أو الخلافات السياسية، بل يجب تقييمها في إطار استراتيجية أوسع تُعرف بـ”إسرائيل الكبرى”. وفقاً لذلك، فإن الأحداث السياسية والأمنية في المنطقة، وخاصة في العقدين الماضيين، ليست أحداثاً منفصلة، بل هي حلقات ضمن عملية طويلة الأمد تهدف إلى تثبيت هيمنة النظام الصهيوني وحلفائه الغربيين، وخاصة الولايات المتحدة، في الجوانب الجغرافية والاقتصادية والسياسية والأمنية.من بين النصوص التي تُستند إليها في تحليل هذا التوجه، مقالة “عودد ينون” عام 1982 بعنوان “استراتيجية لإسرائيل في الثمانينيات”. في هذا الإطار الفكري، يتم التأكيد على استغلال الفجوات القومية والدينية في الدول العربية وتفكيك الهياكل الحكومية المركزية، بحجة تقليل التهديدات المحيطة بالنظام الصهيوني، وهو ما كان وما زال من أولويات هذا النظام.من هذا المنظور، يُعرف أمن النظام الصهيوني إلى جانب الردع العسكري، بتغيير الهيكل الجيوسياسي المحيط وتقليل قدرة الدول المنافسة. بمعنى آخر، يُعتبر “تقسيم” المنطقة وتحويل الدول الكبرى إلى وحدات أصغر وأقل قوة بيئة مثالية لتثبيت هيمنة هذا النظام الوهمي.لكن هذا ليس كل شيء، حيث تشير الترسانات العسكرية والنووية لهذا النظام إلى حقائق ميدانية أخرى. حتى أن بعض وسائل الإعلام الغربية، بما في ذلك صحيفة “ديلي إكسبريس” البريطانية وصحيفة “الدياريو” الإسبانية، كشفت عن ترسانة عسكرية ونووية تشمل بناء قنابل نووية بمساعدة فرنسا والولايات المتحدة منذ عقود. وفقاً لهذه التقارير، كان النظام الصهيوني يسعى لبناء قنبلة ذرية منذ الخمسينيات.بحسب “أونر كوهين”، المؤرخ في الأراضي المحتلة، بحلول وقت حرب الأيام الستة عام 1967، كان لدى هذا النظام “قدرة أولية، ولكن عملية، على الأسلحة النووية”، حيث يُعتقد أنه امتلك قنبلتين نوويتين.على الرغم من عدم توفر معلومات كثيرة حول الأسلحة الأولية لهذا النظام، إلا أنه يمتلك واحدة من أخطر الترسانات النووية السرية في العالم. في تقريرها لعام 2023، قدرت فدرالية العلماء الأمريكيين أن النظام الصهيوني يمتلك 90 قنبلة ذرية، في حين تشير بعض التقارير إلى أن حجم ترسانة الأسلحة النووية السرية أكبر من الأرقام المعلنة.تُظهر الترسانات المليئة بالأسلحة وامتلاك القنابل النووية، إلى جانب عقيدة “عودد ينون”، جهود النظام الصهيوني على مدى عقود لتحقيق وهم “إسرائيل الكبرى”، من خلال تقسيم وتقليل حجم الدول المؤثرة في المنطقة. تصريحات ترامب في أغسطس 2024 حول الجغرافيا الإيرانية والصهيونية، والتي تشير إلى أن “إسرائيل صغيرة ودائماً ما كنت أفكر في كيفية توسيعها”، توضح هذا التوجه.الهجمات المتكررة على المناطق المحتلة وجنوب لبنان، الهجوم الأمريكي على العراق، الحرب الأهلية السورية، أزمة ليبيا، الهجوم الأمريكي وحلفائه على اليمن، والهجوم المباشر للنظام الصهيوني وأمريكا على الجمهورية الإسلامية الإيرانية، كلها تؤكد التوافق بين واشنطن وتل أبيب لتحقيق هذه الرؤية.الهجوم الأمريكي على فنزويلا في 3 يناير 2026 لم يكن مفاجئاً. يجب اعتبار هذه العملية جزءاً من استراتيجية أوسع لإعادة تشكيل نظام القوة الذي يسعى ترامب لتحقيقه، والذي يسعى بوضوح لتقييد الدول المؤثرة ضد السياسات التوسعية والانفرادية الأمريكية في الشرق الأوسط.يجب مقارنة هذه الاستراتيجية بالجهود المستمرة لزيادة نفوذ الولايات المتحدة والنظام الصهيوني في جميع أنحاء العالم، خاصة في غرب آسيا وشمال أفريقيا. إن نشر القواعد العسكرية في الدول المحيطة بالجمهورية الإسلامية الإيرانية وروسيا وحتى الصين، يشير إلى أن عقيدة مونرو لتحقيق إسرائيل الكبرى تأتي بالتعاون مع عقيدة “عودد ينون”.إن التوسع الجغرافي للنظام الصهيوني يتجاوز الحدود الوهمية الحالية، من النيل إلى الفرات، وربما أبعد من ذلك إلى حدود الصين وروسيا، هو حلم سيبقى بلا شك في حدود أماني وتصميمات المخططين والمشعلين للحروب العالمية.يبدو أن ترامب ونتنياهو وحتى مراكز التفكير لديهم قد أغفلوا أو ارتكبوا خطأً حسابياً مهماً، وهو القوة الرادعة للجمهورية الإسلامية الإيرانية، سواء في أوقات التهديد أو في أوقات الحرب المحتملة.على مدى 47 عاماً من مواجهة جميع مكائد العدو، من فرض الحرب الثمانية، وخلق الفتنة بين الشيعة والسنة، إلى استخدام عناصر ضد الثورة، ومحاولات الفتنة، والاغتيالات، وحتى القصف، أثبتت الجمهورية الإسلامية الإيرانية وجبهة المقاومة أنها لن تسمح بتحقيق أحلام قادة أمريكا والنظام الصهيوني لتقسيم وتقليل حجم الدول الكبرى المؤثرة.اليوم، تعتبر جبهة المقاومة، بقيادة الجمهورية الإسلامية الإيرانية وبتوجيه من القائد العظيم، ليست فقط عمق استراتيجية مكافحة الهيمنة، بل تجمع جميع الدول والشعوب التي تتميز عن هذا النظام الاستبدادي حول “فكر مقاومة الاستكبار والظلم”.من هذا المنظور، فإن نشر القواعد العسكرية المتعددة في المنطقة، وحتى أبعد من ذلك، يشكل سيفاً ذا حدين؛ حيث قد يدل في بعض الأحيان على قوة الدول التي أنشأتها، لكن في حال حدوث أي خطأ حسابي من العدو أو اعتداء على النظام المقدس للجمهورية الإسلامية الإيرانية، يمكن أن يتحول إلى هدف مناسب للإجراءات الانتقامية وحتى صواريخ المقاومة.بالفعل، “الحرب الإقليمية” التي أشار إليها القائد العظيم يمكن أن تعني أن يد الجمهورية الإسلامية والدول والجماعات الداعمة مفتوحة لاستهداف مصالح أمريكا في المنطقة.لذا، فإن تحقيق حلم واشنطن وتل أبيب في توسيع نفوذ النظام الصهيوني، الذي يحتاج إلى الجغرافيا والعوامل السكانية والمياه والنفط من أجل بقائه، محكوم بالفشل. لأنه إذا قررت أمريكا، تحت أي ذريعة، بدء “حرب” لتنفيذ هذا الوهم، فإن هذه الحرب ستكون حرباً إقليمية ستؤثر بلا شك على أولئك الذين أشعلوا الحرب في المنطقة وخارجها.